لسن وحدهن في الطريق: العوائق الخفية أمام تمدرس الطفلات ذوات الإعاقة في المغرب

بقلم: تحرير مدينة FM

بعد سنوات من الالتزامات، ماذا تغير فعلا في حياة الطفلات ذوات الإعاقة؟

هند فوزي

بعد سنوات من الالتزامات، ماذا تغير فعلا في حياة الطفلات ذوات الإعاقة؟

من تجربة شخصية إلى سؤال عام

في الثالثة عشرة من عمري، عدت إلى المدرسة بعد إصابتي بمتلازمة غيلان باريه. كنت أستخدم العكاز وأمشي بعرج، وأتعلم من جديد كيف أتحرك داخل فضاء أعرفه منذ سنوات، لكنه لم يعد مهيأ لي كما كان. حاول المدرسون وإدارة المؤسسة تخفيف بعض الصعوبات، فنُقلت حصص إلى الطابق الأرضي كلما أمكن ذلك. لكن السلالم ظلت تعترض طريقي إلى بعض الأقسام، وكانت الاستراحة أحيانا تعني مغادرة المدرسة بدل البقاء مع زملائي، لأن المرافق المتاحة لم تكن ملائمة لي. لم تكن المشكلة في رغبتي في التعلم أو قدرتي على متابعة الدروس، بل في بيئة لم تمكنني من المشاركة في الحياة المدرسية على قدم المساواة. كانت الحلول الجزئية تساعدني على تجاوز بعض العقبات، لكنها لم تزلها كلها. بعد نحو عام، وبينما كنت أحاول استعادة استقلاليتي، خرجت من منزل جدتي إلى أقرب بقالة. كنت أتعلم كيف أتحرك في الشارع من جديد، حين قال لي رجل غريب رآني أمشي بصعوبة: «إذا لم تستطيعي المشي، اجلسي في كروصة»، أي كرسي متحرك. لم ير محاولتي استعادة قدرتي على الحركة، بل اختصرني في صعوبة مشيي. بعد قرابة ثلاثة عقود، أعود إلى تلك التجربة بصفتي صحفية، لا لأفترض أن ما عشته ما زال يتكرر بالطريقة نفسها، بل لأبحث في سؤال آخر: بعد سنوات من القوانين والبرامج والالتزامات المتعلقة بالتربية الدامجة، ماذا تغير فعلا في الحياة اليومية للطفلات ذوات الإعاقة في المغرب؟ وأين ما تزال المسافة قائمة بين الحق المعلن والقدرة على ممارسته؟ ينطلق هذا التحقيق من شهادات طفلات وأسرهن، ومعاينات ميدانية، ومعطيات إحصائية، ووثائق رسمية، وتجارب مؤسسات وجمعيات تحاول توفير مسارات للتعلم والدعم. وهو لا يفترض أن جميع المؤسسات تقصي الطفلات، أو أن البرامج العمومية لم تحقق نتائج، بل يفحص ما تسمح الأدلة بإثباته: أين تظهر العوائق؟ وما التدخلات التي تساعد على تجاوزها؟ وما الذي لا نزال نجهله عن نتائج السياسات المعلنة؟ بوصفي صحفية أعيش بدوري مع إعاقة جسدية، أصرح بهذا الموقع الشخصي بوضوح. لكنه لا يحل محل التحقيق، ولا يجعل تجربتي دليلا على تجارب الأخريات. فالحكم على واقع التمدرس اليوم يستند إلى شهادات الطفلات وأسرهن، والمعاينات الميدانية، والبيانات والوثائق، وأجوبة الجهات المسؤولة.

مروة: حين يصبح العثور على مدرسة معركة

أثناء إعداد التحقيق، التقيت مروة، طفلة في الحادية عشرة من عمرها، ووالدتها نوال، التي روت محاولاتها المتكررة للعثور على مدرسة قريبة من المنزل تستقبل ابنتها. بحسب رواية الأم، رفضت مؤسسات تعليمية عدة تسجيل مروة، وتكررت، وفق ما نقلته، حجة: «لا يمكننا تحمل مسؤوليتها داخل المؤسسة». ولا تكفي هذه الشهادة وحدها لتحديد مسؤولية مؤسسة بعينها أو الجزم بأسباب كل قرار، لكنها تطرح أسئلة تتجاوز تجربة الأسرة: ما المبررات التي تستند إليها المؤسسات عند رفض تسجيل طفلة ذات إعاقة؟ وهل تعرض على أسرها بدائل تضمن استمرار تمدرس بناتها؟ ومن يتدخل عندما يتحول التسجيل إلى عائق أمام ممارسة حق أساسي؟ وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، ما تزال أسرة مروة تبحث عن مؤسسة تعليمية تستقبلها، من دون أن تنجح في العثور على مدرسة قريبة من المنزل. وبذلك، لم يعد الأمر مجرد محاولات تسجيل سابقة، بل وضع مستمر يطرح سؤالًا عن الجهة المسؤولة عن إيجاد حل، وعن الزمن الذي يمكن أن تنتظره طفلة قبل أن تحصل على فرصة للتعلم. ولم تقتصر تجربة مروة على البحث عن مدرسة. فقد روت أن جارة وصفت إعاقتها بأنها عقاب إلهي لوالدتها. ثم سألتني: "هل أنا فعلا عقاب؟ هل الله لا يحبني؟" في هذا السؤال يظهر أثر الوصم الاجتماعي على الطفلة، حين تتحول نظرة الآخرين إلى تساؤل عن قيمتها ومكانتها. فبدل أن تنشغل بالتعلم واللعب وبناء علاقاتها، تجد نفسها أمام أحكام لا ذنب لها فيها. ولا تثبت هذه الشهادة انتشار مثل هذه المواقف، لكنها تكشف أثرها النفسي والاجتماعي على مروة كما عاشته وروته. تجمع حالة مروة، إذن، بين صعوبات الولوج إلى المدرسة والوصم الاجتماعي لكنها تطرح قبل كل شيء أسئلة تستدعي إجابات من المؤسسات المعنية: ما أسباب رفض تسجيلها؟ هل جرى تقييم احتياجاتها أو اقتراح ترتيبات مناسبة لاستقبالها؟ ما البدائل المتاحة للأسرة؟ وأي جهة يمكنها التدخل لضمان حقها في التعليم؟ فحين تظل الأسرة تبحث عن مدرسة، لا يعود الحق في التعليم مضمونا بمجرد النص عليه.

خمس طفلات، وعوائق تتجاوز باب المدرسة

إلى جانب مروة، يتناول التحقيق تجارب أربع طفلات أخريات، تختلف احتياجاتهن وظروفهن، وتكشف شهاداتهن وشهادات أسرهن أن العائق أمام التمدرس لا يبدأ بالضرورة داخل الفصل الدراسي، بل قد يبدأ من الطريق إلى المدرسة، أو من صعوبة التنقل بين مرافقها، أو من الحاجة المستمرة إلى شخص آخر حتى تتمكن الطفلة من متابعة يومها الدراسي. تستخدم مروة كرسيا متحركًا كهربائيا، وقد بذلت والدتها نوال ما في وسعها لتوفيره لها، أملا في أن يمنحها قدرا أكبر من الاستقلالية. غير أن امتلاك الكرسي لم ينه مشكلة التنقل؛ فالبيئة المحيطة لا تتيح لمروة استخدامه والانتقال به بحرية من دون مساعدة. وتظل بحاجة إلى وجود والدتها معها لمرافقتها وتجاوز العوائق التي تعترض طريقها. وهكذا، يتحول وسيلة يفترض أن تساعدها على الحركة باستقلالية إلى حل لا يحقق الغاية كاملة، ما دامت الطرقات والفضاءات التي يفترض أن تستخدمها غير مهيأة بما يكفي. وتكشف حالة غزل، البالغة 15 سنة، جانبًا آخر من هذه الصعوبات. فقد تعرضت لبتر إحدى قدميها، لكنها تواجه صعوبة في صعود السلالم والتنقل بين طوابق المؤسسة. وبحسب ما روي عن تجربتها، تضطر في بعض الحصص إلى الاستعانة بعدد من الأشخاص، من بينهم والدها، لحملها إلى الطابق الذي يوجد فيه القسم. ولا تقتصر المسألة هنا على المشقة الجسدية؛ إذ يضعها هذا الوضع في موقف محرج، حين تجد نفسها مضطرة إلى طلب المساعدة أمام الآخرين، وكأن عليها في كل مرة أن تعلن عجزها عن التنقل بمفردها. بينما كان من الممكن أن تتاح لها فرصة الوصول إلى قسمها باستقلالية لو كانت الممرات والسلالم والفضاءات المدرسية مهيأة لاحتياجاتها. أما سليمة، البالغة 13 سنة، فقد شخصت قبل ثلاث سنوات بضمور عضلي، وتستخدم عكازين لمساعدتها على الحركة. وتطرح حالتها سؤالا يتجاوز التسجيل في المؤسسة: هل تستطيع الوصول إلى المدرسة بانتظام؟ وما أثر المسافة والطرقات غير المهيأة ووسائل النقل والممرات والسلالم في قدرتها على متابعة الدراسة؟ فالمسافة التي قد تبدو عادية بالنسبة إلى تلميذة أخرى يمكن أن تتحول، في غياب الترتيبات المناسبة، إلى رحلة يومية مرهقة. أما هدى، البالغة 12 سنة، فتستخدم ساقا اصطناعية بعد حادث تعرضت له في طفولتها. وبحسب روايتها، تواجه أحيانا نظرات وأسئلة من زملائها، وتجد نفسها مضطرة إلى شرح وضعها أمام معلمين وإداريين جدد. وتفتح تجربتها النقاش حول دور المؤسسة التعليمية في توفير بيئة تحترم الاختلاف، والتصدي للمواقف التي قد تجعل الطفلة تتحمل وحدها عبء تفسير إعاقتها للآخرين. وتبلغ حنان 14 سنة، ولديها اختلاف خلقي في إحدى يديها. وتثير حالتها مسألة مدى ملاءمة الأنشطة وطرق التدريس والتقييم للاحتياجات المختلفة؛ فوجود التلميذة داخل القسم لا يعني بالضرورة قدرتها على المشاركة في جميع الأنشطة أو الاستفادة منها بالشروط نفسها المتاحة لبقية زميلاتها. لا تواجه الطفلات الخمس العوائق نفسها بالضرورة. فبينما تحتاج مروة إلى مرافقة والدتها رغم امتلاكها كرسيا متحركًا كهربائيا، تجد غزل نفسها مضطرة إلى الاعتماد على والدها وآخرين للصعود إلى قسمها، فيما تطرح حالات سليمة وهدى وحنان أسئلة مختلفة تتعلق بالوصول والحركة والتعامل داخل المؤسسة والمشاركة في التعلم. تكشف هذه التجارب أن الاعتماد على الأسرة ليس دائما اختيارا نابعا من حاجة الطفلة إلى الرعاية بقدر ما قد يكون نتيجة لغياب شروط الاستقلالية. فحين تضطر الأم إلى مرافقة ابنتها في كل تنقل، أو يُطلب من الأب وآخرين حمل تلميذة إلى طابق آخر، يصبح السؤال أكبر من قدرة الأسرة على المساعدة: لماذا لا تستطيع الطفلة الوصول إلى قسمها واستخدام مرافق مدرستها من دون أن يتوقف يومها الدراسي على تدخل شخص آخر؟ لذلك، لا يكفي السؤال عما إذا كانت الطفلة مسجلة في مؤسسة تعليمية أم لا. بل ينبغي التحقق مما إذا كانت تصل إلى قسمها بانتظام، وتستطيع استخدام مرافق المؤسسة، وتشارك في الدروس والأنشطة، وتحصل على الترتيبات والدعم اللذين تحتاج إليهما. فبين الالتحاق الشكلي بالمدرسة والتمتع الفعلي بالحق في التعليم مسافة لا تكشفها أرقام التسجيل وحدها.

ماذا تقول الأرقام عن فرص التمدرس؟

تسمح البيانات الوطنية بوضع الشهادات الفردية ضمن سياق أوسع، وإن كانت لا تفسر بمفردها أسباب كل حالة. بحسب نتائج البحث الوطني الثاني حول الإعاقة لسنة 2014، بلغت نسبة التمدرس لدى الأطفال ذوي الإعاقة الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و11 سنة نحو 37.8 في المائة، مقابل 99.5 في المائة لدى مجموع الأطفال في الفئة العمرية نفسها. وبين 12 و14 سنة، بلغت النسبة 50.1 في المائة لدى الأطفال ذوي الإعاقة، مقابل 87.6 في المائة لدى مجموع الأطفال. أما بين 15 و17 سنة، فسجلت 39.9 في المائة، مقابل 61.1 في المائة. تكشف هذه الأرقام عن تفاوت واضح في فرص التمدرس خلال الفترة التي يغطيها البحث. كما تفيد المعطيات بأن نحو 79 في المائة من الأطفال ذوي الإعاقة المتمدرسين، ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة، لم يتجاوزوا المرحلة الابتدائية. لا يعني ذلك أن جميع هؤلاء الأطفال انقطعوا عن الدراسة، لكنه يثير سؤالا عن فرص الانتقال إلى التعليم الإعدادي والثانوي، والعوامل التي قد تجعل الاستمرار أصعب كلما تقدم الطفل في العمر. وفي تقرير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2019، وردت نسب للتمدرس تبلغ 29.1 في المائة لدى الفتيات ذوات الإعاقة، مقابل 49.2 في المائة لدى الفتيان. ويؤكد هذا الفرق وجود تفاوت بين الجنسين وفق المؤشر الذي يعتمده التقرير، لكنه لا يثبت وحده أن الجنس هو سبب التفاوت، ولا يحدد العوامل المرتبطة به. وتضيف النتائج الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة، المقدمة في الرباط في 3 شتنبر 2026، مؤشرا آخر إلى حجم التحدي التعليمي. فوفق المعطيات المنشورة، يُقدّر عدد الأطفال في وضعية إعاقة الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة بنحو 352 ألف طفل، يتمدرس منهم حوالي 236 ألفًا، بينما يوجد نحو 116 ألف طفل خارج المدرسة. ولا تتوقف دلالة النتائج عند عدد الأطفال غير المتمدرسين. فقد ورد ضمن المعطيات أن صعوبة التسجيل أو رفضه بسبب الإعاقة يمثلان 42.4% من الأسباب المصرح بها لعدم الولوج إلى المدرسة، فيما تمثل عدم قدرة الأسرة على توفير المرافقة 26.9%. وهذه النسب تتعلق بالأسباب المصرح بها ضمن المؤشر المعني، وليست نسبًا من مجموع الأطفال ذوي الإعاقة. كما أشارت المعطيات المنشورة إلى أن نحو 166 ألف طفل متمدرس لا يصرح بوضعيتهم الإدارية في نظام «مسار». وإذا تأكد هذا الرقم وتعريفه في الوثيقة الإحصائية الأصلية، فإنه يفتح سؤالا إضافيا حول مدى تطابق السجلات الإدارية مع واقع الأطفال الذين يحتاجون إلى ترتيبات أو خدمات دعم، من دون أن يعني ذلك تلقائيا أن هؤلاء الأطفال محرومون منها. وتعزز هذه المؤشرات أهمية الانتقال من قياس الالتحاق بالمدرسة وحده إلى فحص ظروف التمدرس والدعم المتاح. لكنها لا تحدد بمفردها أسباب كل حالة، ولا تثبت أثر البرامج العمومية في النتائج؛ إذ يتطلب ذلك ربط المعطيات الوطنية بالبيانات الإدارية، والتحقق من حالات التسجيل والرفض والاستمرار في الدراسة، والاستماع إلى الأطفال وأسرهم والجهات المعنية. تتيح هذه الأرقام تحديد أسئلة تستحق المتابعة: ما الذي تغير منذ البحث الوطني السابق؟ وهل تقلصت الفجوة في فرص التمدرس؟ وهل تسمح البيانات بتحديد وضع الفتيات مقارنة بالفتيان، وبحسب نوع الإعاقة والمنطقة والمستوى الدراسي؟ لا تستطيع خمس حالات تحديد حجم الظاهرة في المغرب، كما لا تستطيع نسبة وطنية إجمالية أن تشرح ما يحدث لطفلة تبحث عن مدرسة قريبة من منزلها. قيمة التحقيق تكمن في وضع المصدرين جنبًا إلى جنب، مع احترام الحدود التي يفرضها كل منهما.

المدرسة من الداخل: حين لا تكفي القدرة على الوصول

بين غشت وبداية شهر أكتوبر 2026، أجريت زيارات ميدانية إلى مؤسسات تعليمية في الدار البيضاء ومراكش ووجدة والرباط، بهدف معاينة مدى ملاءمة الفضاء المدرسي لاحتياجات الأطفال ذوي الإعاقة. رصدت في بعض المؤسسات كثرة السلالم ونقص الولوجيات وعدم توفر مرافق صحية ملائمة. ولا تعني هذه الملاحظات أن جميع المدارس تعاني الاختلالات نفسها، لكنها تكشف عن عوائق مادية في المؤسسات التي شملتها الزيارات. تختلف آثار هذه العوائق بحسب موقعها وطبيعتها. فقد يحول مدخل غير ملائم دون دخول المؤسسة، بينما قد تمنع السلالم تلميذة تستخدم عكازين أو كرسيا متحركا من الوصول إلى قسم في طابق علوي. وقد تجعل المرافق الصحية غير الملائمة اليوم الدراسي أكثر صعوبة، حتى عندما تتمكن الطفلة من دخول القسم. لذلك، لا يكفي وصف المؤسسة بأنها مهيأة استنادا إلى عنصر واحد. ينبغي النظر في المسار الكامل الذي تسلكه التلميذة، من مدخل المدرسة إلى القسم، ومنه إلى الساحة والمرافق الصحية، ثم إلى الأنشطة التي يفترض أن تشارك فيها. كما ينبغي التمييز بين وجود تجهيز مادي وإمكان استخدامه فعليا. فقد يتوفر مدخل ملائم، بينما تظل أجزاء أخرى من المؤسسة غير قابلة للاستعمال باستقلالية. وقد تنقل حصة إلى الطابق الأرضي لتسهيل حضور تلميذة، من دون أن يعني ذلك أنها أصبحت قادرة على الوصول إلى بقية مرافق المدرسة. وخلال بعض الزيارات، بدا البحث عن حلول بديلة ممكنا نسبيا في بعض المؤسسات الخاصة. لكن هذا الانطباع لا يكفي للحكم على مستوى التربية الدامجة في التعليم الخاص، ولا لإثبات أن تلك المؤسسات مهيأة بالكامل. كما لا يسمح بإجراء مقارنة حاسمة بينها وبين المؤسسات العمومية من دون بيانات متكافئة عن التجهيزات والموارد وكلفة الاستفادة وشروط القبول. المعاينة الميدانية مدخل إلى السؤال عن أسباب الاختلالات، وليست دليلا كافيا على أسبابها. فتحديد ما إذا كان ضعف التهيئة مرتبطًا بمحدودية الموارد أو بترتيب الأولويات أو بعوامل أخرى يتطلب فحص الوثائق والاعتمادات المخصصة، والاستماع إلى الإدارات والجهات المسؤولة. السؤال ليس ما إذا كانت المؤسسة قد اتخذت إجراء لتسهيل حضور طفلة واحدة، بل ما إذا كان الحل يزيل العائق بصورة مستدامة، وما إذا كان متاحا لبقية الأطفال الذين يحتاجون إليه.

هل تتضاعف العوائق لأنهن فتيات؟

لا تتوقف خصوصية تجربة الفتيات ذوات الإعاقة عند الصعوبات المرتبطة بالتمدرس، بل تمتد إلى القيود الاجتماعية والجندرية التي قد تُضاف إليها. فالفتاة لا تواجه فقط تحديات مرتبطة بإعاقتها، وإنما قد تجد نفسها أيضا أمام تصورات أسرية واجتماعية مختلفة بشأن سلامتها، وحركتها، واستقلاليتها، وحقها في اتخاذ قرارات تخص حياتها اليومية. وقد تتحول الحماية، في بعض السياقات، إلى رقابة أشد على تنقلها ومشاركتها خارج المنزل، أو إلى اعتماد أكبر على أفراد الأسرة في تدبير شؤونها. وتكتسب هذه القيود أبعادا أكثر حساسية خلال مرحلة المراهقة، حين تصبح الخصوصية والعناية بالجسد وتدبير الدورة الشهرية احتياجات يومية. وتكشف حالة غزل عن جانب آخر من العوائق التي قد تواجه الفتيات ذوات الإعاقة خلال مرحلة المراهقة. فخلال فترة الدورة الشهرية، تضطر إلى التغيب عن المدرسة لمدة أسبوع، في ظل صعوبة التنقل داخل المؤسسة والاعتماد على الآخرين لحملها إلى القسم الموجود في طابق آخر. وهكذا، لا تقتصر آثار غياب الولوجيات على صعوبة الوصول إلى الفصول الدراسية، بل قد تتداخل أيضا مع احتياجات الفتيات المرتبطة بخصوصية أجسادهن خلال هذه المرحلة. ولا تتعلق المسألة هنا بحالة فردية معزولة عن سياقها، بل بما تكشفه عن قصور البيئة المدرسية في مراعاة احتياجات الفتيات ذوات الإعاقة. فحين لا تتوفر المرافق الصحية المهيأة والخصوصية وشروط التنقل الملائمة، قد تصبح مرحلة المراهقة نفسها مصدر عائق إضافي أمام استمرارهن في الدراسة. وتدعو الحالات التي وثقها التحقيق إلى النظر إلى تجربة الطفلات من هذه الزاوية أيضا، لا باعتبارهن أطفالا ذوي إعاقة فحسب، بل فتيات يعشن مرحلة الطفولة والمراهقة داخل سياقات اجتماعية قد تفرض عليهن قيودا إضافية. ويقتضي فهم هذه التجربة الاستماع إلى أصواتهن وأسرهن، وفحص ما إذا كانت القرارات المتعلقة بتعليمهن وحركتهن واستقلاليتهن تختلف عن تلك المتخذة بشأن الفتيان ذوي الإعاقة. فحين لا تفصل البيانات حسب الجنس والعمر ونوع الإعاقة، تظل الفوارق المحتملة غير مرئية في الإحصاءات العامة. ولا يكفي تسجيل عدد الأطفال ذوي الإعاقة الملتحقين بالمدارس؛ بل ينبغي معرفة ما إذا كانت الفتيات يتمتعن بالفرص نفسها في الحضور المنتظم، والخصوصية، والاستقلالية، والمشاركة الكاملة في الحياة المدرسية.

حين تتحول المرافقة إلى عبء أسري

قد تتجاوز كلفة التمدرس المستلزمات المدرسية لتشمل النقل والمرافقة والترويض الطبي والأجهزة المساعدة، إلى جانب الوقت الذي تخصصه الأسرة لتدبير هذه الاحتياجات. تحدثت نوال، والدة مروة، عن تكاليف الأدوية والترويض الطبي والمستلزمات التي تحتاج إليها ابنتها. وتكشف شهادتها جانبا من الأعباء التي قد ترافق الرعاية، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد حجم الكلفة التي تتحملها الأسر المغربية أو عدد الحالات التي تؤثر فيها النفقات في الاستمرار بالدراسة. تطرح هذه الأعباء أسئلة عملية: هل تتوفر وسائل نقل ملائمة؟ ومن يرافق الطفلة إذا احتاجت إلى المساعدة أثناء اليوم الدراسي؟ وهل تستطيع الأم مواصلة عملها، أم تضطر إلى تعديل ساعاتها أو التخلي عن بعض مسؤولياتها المهنية؟ وماذا يحدث عندما يعمل الوالدان ولا يتوفر فرد من الأسرة يستطيع تولي المرافقة؟ توضح هذه الأسئلة أن التمدرس قد يعتمد على خدمات تتجاوز القسم. فإذا كانت الطفلة تحتاج إلى مرافقة منتظمة أو وسيلة نقل ملائمة حتى تصل إلى المدرسة، فإن وجود حق قانوني في التعليم لا يحل المشكلة وحده. وفي المقابل، لا يكفي إثبات أن الأسرة تتحمل نفقات إضافية لتحديد الجهة المسؤولة عن كل نفقة أو القول إن برنامجا معينا كان قادرا على تغطيتها. يتطلب ذلك معرفة الخدمات المتاحة، وشروط الاستفادة منها، والجهات التي تقدمها، ومدى استجابتها للاحتياجات الفعلية. وهنا تبرز أهمية المراكز المتخصصة والجمعيات، لا باعتبارها بديلا تلقائيا عن مسؤوليات الدولة والمدرسة، بل بوصفها جهات قد توفر خدمات تأهيلية أو تربوية أو اجتماعية تساعد الأطفال والأسر على تجاوز بعض العوائق.

وجه آخر للمشهد: حين تساعد المراكز الأسر على إيجاد طريق

لا تقتصر صورة التمدرس على الرفض والصعوبات المادية. ففي مقابل الحالات التي تطرح أسئلة عن حدود الإدماج، تكشف شهادات عاملات في مجال الدعم والتأهيل عن تجارب تحاول فيها المؤسسات والجمعيات إيجاد حلول عملية للأطفال وأسرهم. في الدار البيضاء، تحدثت السيدة غيثة، من مركز الترويض وإعادة التأهيل، عن طبيعة الأسر التي تقصد المركز. وبحسب شهادتها، تجلب أسر كثيرة أبناءها إليه طلبا للتعلم والحصول على الرعاية الصحية والنفسية. وترى أن المركز حقق، إلى حد كبير، الأهداف التي أُنشئ من أجلها، مشيرة إلى تلقيه إشادات من المستفيدين وأسرهم. تقدم هذه الشهادة منظورا عن دور المركز كما تراه مسؤولة تعمل فيه، لكنها لا تكفي وحدها لقياس أثر خدماته. ويتطلب التقييم معرفة طبيعة البرامج المقدمة، والفئات المستفيدة، ومدى استمرارية الاستفادة، وما إذا كانت الخدمات تساعد الأطفال على الالتحاق بالتعليم أو مواصلته، بحسب احتياجات كل حالة. كما أن وجود مركز متخصص لا يعني أن جميع الأسر تستطيع الوصول إليه أو تحمل كلفة الاستفادة منه، أو الحصول على الخدمات نفسها في مناطق أخرى. لذلك، تمثل التجربة نموذجا يستحق التوثيق والفهم، لا دليلا على أن مشكلة الخدمات قد حلت. وفي الجهة الشرقية، قدمت السيدة رشيدة العربي، من جمعية التضامن والتآزر الاجتماعي، صورة أخرى عن دور العمل الجمعوي في مساعدة الأطفال والأسر على البحث عن مسارات للتعلم والاندماج. بحسب ما روته رشيدة، استقبلت الجمعية أسرا كانت ترغب في إدماج أبنائها في التعليم، لكنها كانت متخوفة من هذه الخطوة. وبعد التفاوض والتنسيق مع مدارس خاصة في الجهة الشرقية، أمكن إدماج بعض الأطفال في تلك المؤسسات. وتقول رشيدة إن عددا من الأسر عبر عن سعادته وهو يرى أبناءه يتعلمون، خصوصا خلال المرحلتين الابتدائية والإعدادية. وتكشف التجربة عن مسار قد تحتاج فيه الأسرة إلى جهة تساعدها على تجاوز مخاوفها، والتواصل مع المؤسسة التعليمية، والبحث عن ترتيب يسمح للطفل بالالتحاق بها. لكن هذه الشهادة لا تثبت أن جميع الأطفال الذين يحتاجون إلى الإدماج وجدوا مقاعد دراسية، ولا أن الحلول التي جرى التوصل إليها متاحة في جميع المؤسسات أو مستدامة في كل الحالات. وتظل أسئلة أساسية مفتوحة: ما طبيعة الترتيبات التي أُنجزت؟ وهل استمرت حالات الإدماج؟ وما الدعم الذي احتاج إليه الأطفال بعد التسجيل؟ وما العوامل التي ساعدت على نجاح بعض الحالات؟ وتحدثت رشيدة كذلك عن أسر لم تتمكن، بسبب ضيق ذات اليد، من مواصلة المسار التعليمي البيداغوجي لأبنائها. ووفق شهادتها، توجهت بعض هذه الأسر إلى الجمعية بحثًا عن بدائل تتيح لأبنائها تعلم مهارات عملية. وتوفر الجمعية، بحسب ما أوضحته، أنشطة تكوينية تشمل الطبخ وصناعة الحلويات والإعلاميات، إلى جانب أنشطة أخرى من بينها الحلاقة. وتضم هذه المسارات فتيات تتراوح أعمار كثيرات منهن بين 14 و18 سنة، حصل عدد منهن على دبلومات من الجمعية، ويحاولن الاندماج في المجتمع من خلال الحرف والمهن التي تعلمنها. تضيف هذه التجربة بعدا مهما إلى التحقيق؛ فقد يمنح التكوين المهني الفتيات مهارات وفرصا للمشاركة الاجتماعية والاستقلالية. لكن من الضروري التمييز بين توفير بديل تكويني وبين ضمان الحق في التعليم. فالحصول على دبلوم مهني قد يمثل إنجازا مهمًا، لكنه لا يثبت وحده أن العوائق التي حالت دون مواصلة التعليم قد زالت، أو أن البديل كان اختيارا متاحا للفتاة بحرية كاملة. وهنا يظهر سؤال لا ينبغي إغفاله: هل تتوجه الفتاة إلى التكوين المهني لأنه المسار الذي اختارته ويناسب تطلعاتها، أم لأن كلفة التعليم أو صعوبة الولوج إليه أغلقت أمامها خيارات أخرى؟ لا تجيب شهادة الجمعية وحدها عن هذا السؤال في جميع الحالات، لكنها تبرز أهمية الاستماع إلى الفتيات أنفسهن لمعرفة ما يردنه، وما إذا كانت الفرص المتاحة توسع خياراتهن أم تحصرها. تظهر تجربتا المركز والجمعية أن الدعم قد يتخذ أشكالا مختلفة، من الرعاية الصحية والنفسية والمواكبة الأسرية إلى التنسيق مع المدارس والتكوين في مهارات عملية. لكن نجاح أي تدخل لا يقاس بمجرد وجوده، بل بمدى ملاءمته لاحتياجات المستفيدين، وقدرتهم على الوصول إليه، والنتائج التي يتيحها لهم.

من التجارب الإيجابية إلى المساءلة

تتيح تجربتا غيثة ورشيدة الانتقال من رصد المبادرات إلى مساءلة شروط نجاحها واستمراريتها. فوجود مركز متخصص أو جمعية تقدم خدمات للأطفال ذوي الإعاقة لا يكفي وحده للحكم على فعالية التجربة؛ إذ ينبغي معرفة طبيعة الدعم، وكلفته، وتوافر الأطر المؤهلة، وعدد المستفيدين، وإمكان استمرار الخدمة. كما تقتضي المقارنة التمييز بين وظائف هذه الجهات: فالمركز المتخصص، والجمعية التي توفر تكوينا مهنيا، والمدرسة النظامية لا تقدم الخدمات نفسها، ولا يمكن اعتبار نجاح تجربة فردية دليلًا على قابلية تعميمها. والسؤال هنا ليس فقط ما الذي جعل هذه المسارات ممكنة، بل أيضا: من يتحمل تكلفتها؟ وهل تستطيع أسر أخرى الاستفادة منها؟ وما مسؤولية المؤسسات العمومية في ضمان ألا يظل الوصول إلى الدعم رهينًا بظروف كل أسرة؟

من الالتزام القانوني إلى الخدمة الفعلية

ينص الفصل 34 من دستور المغرب لسنة 2011 على اتخاذ السلطات العمومية تدابير وسياسات ملائمة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، فيما تكفل المادة 24 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الحق في التعليم الدامج. ويشكل القانونان الإطاران 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، و97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، جزءا من الإطار القانوني الوطني في هذا المجال. لكن الاعتراف بالحق لا يضمن وحده ممارسته؛ فبين النص القانوني ومقعد الطفلة داخل القسم، توجد شروط تتعلق بالقبول والولوج إلى المؤسسة، وملاءمة مرافقها، وتوافر الدعم اللازم لاستمرار التعلم. وفي معطيات منشورة على موقع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشأن البرنامج المهيكل للتربية الدامجة، المندرج ضمن خارطة الطريق 2022–2026، أُعلن عن تصنيف 7,416 مؤسسة تعليمية ضمن المؤسسات الدامجة، وبلغ عدد التلاميذ في وضعية إعاقة المتمدرسين 64,734 تلميذًا وتلميذة. كما أفادت الوزارة بتوفر 6,387 مؤسسة على الولوجيات، و3,300 مؤسسة على مرافق صحية مكيفة، ووجود 1,647 قاعة موارد مؤهلة ومجهزة. وبلغ عدد الأطر الإدارية والتربوية المستفيدة من التكوين 50,600، فيما أُعلن عن تفعيل 6,065 لجنة محلية. ولا تحدد المعطيات تاريخ تحيين جميع هذه المؤشرات، أو ما إذا كانت تعكس الفترة الزمنية نفسها. كما أن تصنيف المؤسسة دامجة أو توفرها على بعض التجهيزات لا يكفي وحده للحكم على جودة الدعم الذي يتلقاه التلاميذ أو مدى استمرارهم في الدراسة. وتجدد النقاش حول شروط تطبيق التربية الدامجة في أكتوبر 2026، بعدما طالبت أربع هيئات حقوقية ومدنية بمراجعة القرار الوزاري رقم 47.19 الصادر سنة 2019. وانتقدت الهيئات، وهي المرصد المغربي للتربية الدامجة، والمنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، والاتحاد المغربي للجمعيات العاملة في مجال الإعاقة الذهنية، والجامعة الوطنية للعاملات والعاملين الاجتماعيين، مقتضيات قالت إنها قد تعيق تمدرس بعض الأطفال، خصوصًا المادة 12 المتعلقة بكلفة مرافقي الحياة المدرسية، والمادة 11 التي رأت أنها تربط الولوج إلى المدرسة بدرجة الإعاقة. وطالبت الهيئات بمراجعة القرار وضمان خدمات المرافقة والدعم. وهذه مواقف صادرة عن الجهات الموقعة على البيان، وتضع مسألة عملية أمام الجهات المعنية: من يتحمل كلفة الدعم الضروري عندما تعجز الأسرة عن توفيره؟

قاعات الموارد: هل يصل الدعم إلى التلاميذ؟

لا تتوقف التربية الدامجة على إزالة الحواجز المادية؛ فهي تتطلب أيضا أطرا وموارد تربوية قادرة على مواكبة احتياجات التلاميذ. وبحسب معطيات نشرها المرصد المغربي للتربية الدامجة، لا تتجاوز تغطية قاعات الموارد 22 في المائة من مؤسسات التعليم الابتدائي، فيما تشتغل ثلث هذه القاعات، وفق المعطيات نفسها، من دون أطر متخصصة. وأشار المرصد أيضا إلى غياب الولوجيات في نحو ثلثي المؤسسات التعليمية. ولا يحدد المصدر تاريخ جمع هذه البيانات أو نطاقها الجغرافي ومنهجية احتسابها، لذلك تعرض باعتبارها مؤشرات صادرة عن المرصد. ولا يكفي إحصاء القاعات لتقييم أدائها؛ بل ينبغي معرفة عدد العاملين فيها ومؤهلاتهم، وعدد التلاميذ المستفيدين، وطبيعة الدعم وانتظامه، وما يحدث عندما لا تتوفر الخدمة داخل المؤسسة. فالمعيار ليس وجود القاعة، بل وصول الدعم إلى التلميذ الذي يحتاج إليه.

من التصنيف إلى التتبع والمساءلة

صدر المرسوم رقم 2.23.152 في 15 يوليوز 2025، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7425 بتاريخ 28 يوليوز 2025، لتطبيق المادة 13 من القانون الإطار رقم 97.13. وينظم عمل اللجان الجهوية المعنية بتتبع تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة لدى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، ويتيح إحداث لجان إقليمية، كما ينص على إعداد تقرير سنوي مفصل عن حصيلة الأنشطة ورفعه إلى المصالح المركزية للقطاعات الوزارية المعنية. غير أن المعطيات المتاحة لا تتضمن تقارير كافية تسمح بتقييم حصيلة هذه اللجان أو أثرها. ويظل الاطلاع على تقاريرها ومحاضر اجتماعاتها ضروريا لمعرفة مدى تتبعها لحالات تعذر التسجيل وصعوبات الولوج والانقطاع، والإجراءات المتخذة لمعالجتها. فالمساءلة لا تقف عند تسجيل المشكلة، بل تتطلب تحديد الجهة التي تولت معالجتها، والإجراء الذي اتخذته، والمدة التي استغرقها، وما إذا كان العائق قد أُزيل بالفعل.

التمويل المعلن: ما الذي وصل إلى الأطفال؟

في فبراير 2026، أفادت البوابة الرسمية للمملكة المغربية بأن 27,642 طفلا وطفلة استفادوا سنة 2025 من برنامج دعم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، بالشراكة مع 437 جمعية، وبمبلغ دعم يصل إلى 1,200 درهم شهريا لكل طفل. ووفق المعطيات، ارتفعت الميزانية المخصصة للبرنامج من 166 مليون درهم سنة 2021 إلى 396 مليون درهم سنة 2025. لكن هذه الأرقام لا توضح طبيعة الخدمات التي تلقاها الأطفال، أو نسبة الفتيات بين المستفيدين، أو مدى تغطية تكاليف النقل والمرافقة والتأهيل، أو أثر الدعم في الالتحاق بالمدرسة والاستمرار فيها. كما لا تتيح تتبع التمويل إلى خدمات محددة ثم إلى نتائج تعليمية قابلة للقياس. ووفق التوضيحات الحكومية التي تناولها البحث، يركز البرنامج أساسا على التأهيل والإدماج الاجتماعي، بينما يظل التمدرس من اختصاص وزارة التربية الوطنية. ويكتسب هذا التمييز أهمية عند تحديد المسؤوليات، لأن الخدمات التأهيلية التي تقدمها الجمعيات لا تعوض الدعم التربوي الذي ينبغي أن توفره المدرسة. ويتطلب تقييم البرنامج معرفة كيفية توزيع التمويل، والخدمات المقدمة، والفئات المستفيدة، ومدى انعكاس ذلك على الحضور والاستمرار في الدراسة.

استمرارية الخدمات: ماذا يحدث عند تغير البرامج؟

برز خلال أكتوبر 2026 نقاش بشأن استمرارية بعض الخدمات الاجتماعية والتأهيلية الموجهة للأشخاص ذوي الإعاقة. حيث عبرت هيئات عاملة في المجال عن مخاوف بشأن تأخر إطلاق صيغة جديدة من برنامج «مؤازرة» وغموض ترتيبات التمويل واستمرار بعض الخدمات. وفي المقابل، أوضح مسؤولون بقطاع الإدماج الاجتماعي أن الأمر يرتبط بإعادة صياغة البرامج وتطوير آليات صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي، وليس بالتخلي عن الخدمات. وفي 10 أكتوبر 2026، أُعلن عن توقيع اتفاقية إطار تجمع ستة قطاعات وزارية ومؤسستين عموميتين، بهدف تحسين الخدمات التربوية والتأهيلية والتكوينية والعلاجات الوظيفية المقدمة للأطفال في وضعية إعاقة وضمان استمراريتها. ووفق المعطيات، شملت الاتفاقية توجهات تتعلق بالأجهزة المساعدة والمعينات التقنية وتقوية الخدمات داخل مراكز الاستقبال، كما أشارت التغطيات إلى أن إجراءات إدارية لإبرام الشراكات مع الجمعيات كان من المقرر الشروع فيها لاحقًا. لكن الإعلان عن الاتفاقية لا يكفي للحكم على نتائجها؛ إذ يرتبط تقييمها بمدى تنفيذها، واستمرار الشراكات، وانتظام التمويل. ولا تتضح بعد نتائج هذه التغييرات على مستوى الخدمات المقدمة. كما لا تتوفر معطيات تثبت تأثر خدمات المركز الذي تحدثت عنه غيثة أو الجمعية التي تحدثت عنها رشيدة مباشرة بهذه التغييرات. ويظل السؤال الأوسع متعلقًا بالضمانات التي تحمي استمرارية الخدمات التي يعتمد عليها الأطفال وأسرهم.

حق الرد وتحديد المسؤوليات

خلال إعداد هذا التحقيق، جرت محاولات للتواصل مع جهات معنية للحصول على توضيحات بشأن تنفيذ برامج التربية الدامجة، والعوائق التي كشفت عنها المعاينات الميدانية والشهادات، ومدى تفعيل آليات التتبع وضمان استمرارية الخدمات. غير أن بعض الجهات لم تتجاوب مع محاولات التواصل قبل إعداد النسخة النهائية، فيما لم يتسن الحصول على ردود من جهات أخرى. ولا تتوقف المساءلة عند تسجيل غياب الردود، بل تقتضي تحديد المسؤولية عن كل حلقة من حلقات الإقصاء: فمن يضمن حق الطفلة في التسجيل حين ترفض المؤسسة استقبالها؟ ومن يتحمل مسؤولية تهيئة الفضاء المدرسي وضمان ولوجها المستقل والآمن؟ ومن يتابع تنفيذ التزامات التربية الدامجة، ويراقب عمل لجان التتبع، ويتدخل عندما لا تصل الخدمات إلى مستحقيها؟ تقع هذه الأسئلة ضمن مسؤوليات مؤسساتية متمايزة، تشمل إدارات المؤسسات والأكاديميات الجهوية والوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، إلى جانب القطاعات المعنية بالإدماج الاجتماعي، كلٌّ في حدود اختصاصه. فلا يمكن أن يتحول حق الطفلة في التعليم إلى عبء تفاوض يومي تتحمله أسرتها، ولا أن تصبح الجمعيات بديلًا عن التزامات المرافق العمومية. وحين تُرفض طفلة من مؤسسة تعليمية، أو تعجز عن الوصول إلى قسمها، أو لا تحصل على الدعم الذي تحتاج إليه، لا يكفي أن تبحث الأسرة وحدها عن حل؛ بل يفترض أن تكون هناك جهة مسؤولة يمكن مساءلتها، ومساطر واضحة للانتصاف، وآليات فعالة لتتبع الشكايات وضمان عدم انقطاع حقها في التمدرس.

الخاتمة: ماذا وصل إلى الطفلات فعلا؟

بالنسبة إلى الطفلة، لا يظهر الحق في التعليم في نص قانوني أو رقم في تقرير، بل في قدرتها على الوصول إلى المدرسة، ودخول فصلها، واستخدام مرافقها، والتعلم مع زميلاتها، والحصول على الدعم الذي تحتاج إليه من دون أن تتحمل أسرتها وحدها كلفة العوائق. تكشف الشهادات الخمس أن تجربة التمدرس لا تنتهي عند التسجيل؛ فقد يبدأ العائق عند البحث عن مؤسسة تستقبل الطفلة، أو يظهر في الطريق إليها، أو يستمر داخلها بسبب مرافق غير ملائمة أو دعم غير متاح. وفي المقابل، تقدم تجربتا غيثة ورشيدة أمثلة على مبادرات تفتح مسارات للتعلم والمشاركة، من دون أن يثبت ذلك وحده قدرتها على تلبية احتياجات جميع الأسر أو ضمان استمراريتها. أما الأرقام والبرامج والآليات القانونية، فتوضح حجم التدخلات المعلنة، لكنها تحتاج إلى بيانات عن التنفيذ والنتائج، وإلى تحديد المسؤوليات عندما يتعذر التسجيل أو الولوج أو الحصول على الدعم. في الثالثة عشرة من عمري، لم تكن مشكلتي في الرغبة في التعلم، بل في تفاصيل يوم مدرسي لم يكن مهيأً لي بالكامل. وبعد قرابة ثلاثة عقود، تعود أسئلة الوصول إلى المدرسة والمشاركة فيها في شهادات طفلات أخريات، وإن اختلفت ظروفهن واحتياجاتهن. لا تثبت هذه المقارنة أن العوائق بقيت على حالها، لكنها تذكّر بأن الاعتراف بالحق ليس سوى البداية. فالتقدم لا يقاس بما أُعلن عنه فقط، بل بما تغير فعليا في حياة الطفلات: من استطاعت الالتحاق بالمدرسة؟ من واصلت التعلم؟ من حصلت على الدعم؟ وما الذي ما زال يمنع أخريات من الوصول إلى الفرصة نفسها؟