قائدات في عرض البحر.. حين تصبح المرأة المغربية ربّانة السفينة والمستقبل
أميمة الرحماني، ملازم أول بحري ومهندسة متخصصة في أنظمة الرادار والملاحة، تعمل مُكوِّنة بالمدرسة الملكية البحرية بالدار البيضاء، حيث تُعدّ الجيل المقبل من ضباط البحرية عبر منهجية تجمع بين التكوين النظري والمحاكيات التقنية والتدريب الميداني على الفرقاطات.
حين تدخل إلى إحدى قاعات الدرس في المدرسة الملكية البحرية بالدار البيضاء، لا يستقبلك فوضى الأصوات المعتادة في المؤسسات التعليمية، بل يسودها صمت مشحون بالتركيز والجدية، لا يقطعه سوى صوت هادئ لكنه واثق يشرح ويوجّه ويُحلّل. إنه صوت الملازم الأول البحري أميمة الرحماني، وهي تقف أمام تلاميذ ضباط يتابعون بشغف درسًا في فنون الملاحة البحرية، حيث تتعاقب على الشاشة خرائط وإحداثيات ومسارات وإجراءات عملياتية دقيقة.
غير أن ما يجري في تلك القاعة يتجاوز مجرد تلقين المعارف؛ فهذه الضابطة لا تُدرّس فحسب، بل تُشكّل وتُصقل وعي جيل بأكمله من قادة البحرية الملكية المغربية المقبلين.
امرأة تحمل خارطة المستقبل
تُجسّد الملازم الأول أميمة الرحماني، خريجة المدرسة الملكية البحرية ومهندسة دولة متخصصة في أنظمة الرادار والملاحة، نموذجًا حيًّا لتحوّل عميق يشهده الجسم العسكري المغربي. فهي ليست مجرد ضابطة تؤدي مهامها اليومية، بل باتت وجهًا من وجوه التحديث الذي تشهده القوات المسلحة الملكية، في مسيرة تدريجية ومتأنية نحو دمج المرأة في أدوار قيادية وتقنية متقدمة.
وإلى جانب مسيرتها العسكرية المتميزة، لم تكتفِ الرحماني بالتفوق في مجالها المهني، إذ تحمل في رصيدها ألقابًا بطولية في سباحة عالية المستوى، مما يكشف عن شخصية تجمع بين الانضباط الفكري والقدرة البدنية والإرادة الراسخة.
تقول في حديث صريح وعفوي: "كوني ضابطة بحرية وإطارًا مُكوِّنًا في مؤسسة عريقة كالمدرسة الملكية البحرية، في ميدان كان حتى وقت قريب حكرًا على الرجال، لم يكن طريقًا مفروشًا بالورود. لكنه منحني دافعًا استثنائيًا لإثبات كفاءتي من خلال العمل الدؤوب والانضباط الصارم."
مختبر القادة.. حين تُضاهي المحاكاةُ الواقعَ
لفهم ما تقوم به الملازم الرحماني وزملاؤها في المدرسة الملكية البحرية، لا بد من التعرف على منهجية التكوين التي تعتمدها هذه المؤسسة العسكرية العريقة بالدار البيضاء. فعملية إعداد ضباط البحرية لا تقوم على الحفظ والتلقين، بل على تكامل محكم بين الأطر النظرية والتدريب التقني العملي والتمارين العملياتية في بيئات تُحاكي الواقع بدقة مذهلة.
يتدرب التلاميذ الضباط على محاكيات ملاحية متطورة تُعيد بناء قمرة القيادة على متن السفن بكل تفاصيلها؛ من أمواج متقلبة، إلى ظروف جوية متغيرة، إلى وضعيات ملاحية بالغة التعقيد. وتتيح هذه المنظومة التكنولوجية صقل قدرة المتدرب على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة في سياقات تحاكي الضغوط الحقيقية في عرض البحر.
وتتوسع دائرة التدريب لتشمل التكتيكات البحرية العملياتية، من خلال سيناريوهات قتالية محاكاة تستوجب من التلاميذ تحليل المعطيات بفعالية، والتنسيق الجماعي، والاستجابة السريعة لتطورات متسارعة. هذا التمرين المركّب يُنمّي ليس فقط الكفاءات التقنية، بل الذكاء العملياتي والروح الجماعية اللازمتين لكل ضابط بحري.
في هذا الإطار، تُوضح الرحماني فلسفتها التربوية بنبرة عملية: "أحرص دائمًا على أن يكون التكوين شاملًا ومتكاملًا، يجمع بين البعد النظري والتطبيق الميداني الفعلي. والتدريب العملياتي يُركّز على الاستخدام الدقيق للخرائط البحرية، وحسن إدارة عمليات الملاحة بروح من المسؤولية والعمل الجماعي، فضلًا عن أداء مهام المناوبة باليقظة والانتباه التامين."
من الفصل الدراسي إلى عرض البحر
ولا تنتهي رحلة التكوين عند حدود قاعات الدرس والمحاكيات. فبعد استيعاب الأسس النظرية، يُخاض الامتحان الحقيقي على متن فرقاطات البحرية الملكية، في بيئة بحرية فعلية لا تُشبهها أي محاكاة. هنا يُطبّق التلاميذ ما اكتسبوه، ويواجهون المتغيرات غير المتوقعة، ويختبرون صمودهم أمام ضغوط الخدمة الحقيقية.
تُمثّل هذه المرحلة، بحسب المختصين في مجال التكوين العسكري، لحظة التحوّل الفعلي من طالب إلى ضابط؛ لأنها تُرسّخ المعرفة في الذاكرة الجسدية والمهنية معًا، وتُعيد صياغة علاقة الضابط المستقبلي بالبحر من علاقة مجردة إلى تجربة حيّة متجسدة.
شهادة القائد.. الكفاءة لا جنس لها
لا تُعبّر عن التحوّل الذي تشهده المرأة في القوات المسلحة الملكية المغربية أرقامٌ فحسب، بل تتحدث عنه شهادات المسؤولين العسكريين الذين يعملون مع هؤلاء الضباط يوميًا.
الرائد البحري سامي مراد، رئيس قسم التأطير والقيادة بالمدرسة الملكية البحرية، لا يُبالغ حين يصف أداء الملازم الرحماني؛ إذ يقول بنبرة تعكس تقديرًا مهنيًا حقيقيًا: "منذ التحاقها بالمدرسة الملكية البحرية، أثبتت انضباطًا عسكريًا مميزًا، وكفاءة مهنية رفيعة، وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية. إنها تُمثّل نموذجًا يُحتذى به للمرأة العسكرية المغربية داخل القوات المسلحة الملكية."
هذا الكلام ليس مجاملةً بروتوكولية، بل انعكاس لواقع يُؤكده العمل الميداني اليومي في مؤسسة تُقيس كل شيء بمعيار الأداء والنتيجة.
في ورش الأسطول.. حيث تصنع النساء الآلات
لا تنحصر مساهمة المرأة في القطاع البحري العسكري في مجالي التدريس والتأطير. فعلى بُعد أمتار من قاعات الدرس، داخل أوراش الأسطول البحري الوسط، تشتغل ضابطة صف من طراز مختلف. إنها بشرى الكردها، ضابط الصف من الدرجة الثانية، المتخصصة في الصناعات الميكانيكية، التي تعكف يوميًا على ما هو أكثر من مجرد إصلاح أو صيانة؛ فهي تُشارك مباشرة في تصنيع وتجديد قطع غيار الآلات الخاصة بالوحدات القتالية للبحرية الملكية.