أرقام قياسية واستثمارات ضخمة تعيد رسم مستقبل النقل السككي بالمغرب
يستعرض هذا المقال أبرز إنجازات المكتب الوطني للسكك الحديدية خلال سنة 2025، من أرقام قياسية في رقم المعاملات ونقل المسافرين، إلى مشاريع استثمارية كبرى وتحديث شبكة السكك الحديدية بالمغرب، مع تسليط الضوء على التحول نحو نقل مستدام وأكثر كفاءة.
يشهد قطاع النقل السككي في المغرب تحولًا عميقًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا برؤية استراتيجية طموحة واستثمارات غير مسبوقة تهدف إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز جودة الخدمات. وفي هذا السياق، برزت سنة 2025 كمرحلة مفصلية في مسار المكتب الوطني للسكك الحديدية، حيث سجلت المؤسسة أداءً ماليًا وتشغيليًا متميزًا يعكس دينامية متواصلة ونموًا متصاعدًا.
وخلال اجتماع مجلسه الإداري المنعقد في أبريل 2026، تم تقديم حصيلة سنة 2025 التي كشفت عن تحقيق المكتب الوطني للسكك الحديدية رقم معاملات قياسي تجاوز خمسة مليارات درهم، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ المؤسسة. ويعكس هذا الأداء تطورًا ملحوظًا في مختلف الأنشطة، سواء على مستوى نقل المسافرين أو البضائع، كما يؤكد نجاح الاستراتيجية المعتمدة في تطوير هذا القطاع الحيوي.
ويُعد نشاط نقل المسافرين أحد أبرز محركات هذا الأداء، حيث عرف إقبالًا متزايدًا خلال سنة 2025، مع تسجيل أكثر من 55 مليون مسافر اختاروا القطار كوسيلة رئيسية لتنقلاتهم. ويعكس هذا الرقم تحولًا في سلوك التنقل لدى المواطنين، الذين أصبحوا يفضلون القطار لما يوفره من راحة وسرعة وأمان، فضلًا عن كونه وسيلة نقل صديقة للبيئة.
وفي هذا الإطار، يواصل القطار فائق السرعة "البراق" لعب دور محوري في تعزيز جاذبية النقل السككي، حيث استطاع منذ إطلاقه أن يغير بشكل ملموس تجربة السفر بين المدن. وخلال سنة 2025، واصل هذا المشروع تحقيق نتائج إيجابية سواء من حيث عدد المسافرين أو من حيث المداخيل، ما يعزز مكانته كأحد أبرز المشاريع الناجحة في مجال البنية التحتية بالمغرب.
ولا يقتصر تطور المكتب الوطني للسكك الحديدية على نقل المسافرين فقط، بل يشمل أيضًا قطاع الشحن الذي سجل بدوره أداءً إيجابيًا. فقد شهد نقل البضائع نموًا ملحوظًا، خاصة في ما يتعلق بالحاويات والمواد الطاقية، مما يعكس قدرة المؤسسة على مواكبة الطلب المتزايد على الخدمات اللوجستية. كما عرف نقل الفوسفاط ارتفاعًا مهمًا، ما يؤكد الدور الاستراتيجي الذي تلعبه السكك الحديدية في دعم القطاعات الاقتصادية الحيوية.
وفي موازاة هذا الأداء، يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية تنفيذ برنامج استثماري ضخم تبلغ قيمته 96 مليار درهم، يهدف إلى تحديث الشبكة السككية وتوسيعها لتشمل مناطق جديدة. ويأتي في مقدمة هذه المشاريع تمديد الخط فائق السرعة نحو مدينة مراكش، وهو مشروع من شأنه أن يعزز الربط بين مختلف جهات المملكة ويساهم في دعم التنمية الاقتصادية والسياحية.
كما يشمل هذا البرنامج الطموح اقتناء قطارات جديدة من الجيل الحديث، في خطوة تهدف إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين ومواكبة النمو المتزايد في الطلب على النقل السككي. ويعكس هذا التوجه حرص المؤسسة على مواكبة التطورات التكنولوجية وتقديم خدمات تلبي تطلعات المستخدمين.
ومن جهة أخرى، أبان المكتب الوطني للسكك الحديدية عن جاهزية كبيرة في مواكبة التظاهرات الكبرى، حيث تمكن من تدبير حركة تنقل كثيفة خلال الفعاليات الرياضية، من خلال تعزيز العرض السككي وتوفير قطارات إضافية، ما ساهم في تسهيل تنقل الجماهير بين المدن في ظروف جيدة.
وفي ظل التحديات البيئية العالمية، يراهن المكتب الوطني للسكك الحديدية على تعزيز دوره في مجال النقل المستدام، باعتبار القطار من أقل وسائل النقل من حيث الانبعاثات الكربونية. ولهذا، تعمل المؤسسة على تنفيذ استراتيجية بيئية واجتماعية تمتد إلى أفق 2030، تهدف إلى تقليل الأثر البيئي وتعزيز مبادئ المسؤولية الاجتماعية.
كما يندرج هذا التوجه في إطار تعزيز الحكامة الجيدة، حيث تبنت المؤسسة معايير دولية في مجال الشفافية ومكافحة الفساد، ما يعكس التزامها بتطوير نموذج تدبيري حديث قائم على النزاهة والنجاعة.
ورغم السياق الاقتصادي العالمي الذي يتسم بارتفاع التكاليف، تمكن المكتب الوطني للسكك الحديدية من الحفاظ على توازن مالي إيجابي، بفضل ترشيد النفقات وتحسين الأداء التشغيلي. ويعكس هذا الأمر قدرة المؤسسة على التكيف مع التحديات وضمان استمرارية مشاريعها الكبرى دون التأثير على استقرارها المالي.
إن النتائج المحققة خلال سنة 2025 تؤكد أن المكتب الوطني للسكك الحديدية يسير في اتجاه ترسيخ مكانته كفاعل أساسي في منظومة النقل بالمغرب. فبفضل الأداء المالي القوي، والاستثمارات الطموحة، والرؤية المستقبلية الواضحة، أصبح القطاع السككي ركيزة أساسية في تحقيق تنقل مستدام ومندمج.
ومن المنتظر أن تستمر هذه الدينامية خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تقدم المشاريع الكبرى وتوسيع الشبكة، مما سيساهم في تحسين الربط بين المدن وتقليص الفوارق المجالية، فضلًا عن دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز جاذبية الاستثمار.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل النقل السككي في المغرب يسير نحو مزيد من التطور، مدعومًا بإرادة قوية لتحديث القطاع وجعله أكثر كفاءة واستدامة، وهو ما يعزز مكانة القطار كخيار استراتيجي لتنقل الأفراد والبضائع على حد سواء.